حيدر حب الله
370
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
التنشيط المتسارع لإشكاليات ابن قبة الرازي الإشكالية الأولى : لا شك في أنّ للّه تعالى حكما في الواقع ، سواء عرفه الناس أم جهلوه ، فالحرمة عنده ثابتة للخمر مثلا ، عرف زيد أن اللّه حرّمها أو لم يعرف ذلك ، ووفقا لهذا المبدأ يقال : لو جاءت رواية آحادية ونصّت على حلية الخمر مثلا وكانت صحيحة السند ، ولم يصلنا الدليل الدال على حرمة الخمر ، فهل يكون هذا الخبر الظني حجة أم لا ؟ فإن لم يكن حجة فهذا هو المطلوب ، أمّا إذا كان حجة فهذا يعني أن اللّه حرّم الخمر ، لكنه الآن - بإعطائه الاعتبار لهذا الخبر - قد أحلّها ، ما يلزم منه اجتماع حكمين متضادين هما : الحرمة والجواز ، كيف يمكن أن يحرم اللّه الخمر ثم يجيز لي الاعتماد على رواية تجوّزه ؟ ! هذا إذا كان الخبر غير مطابق للواقع ، أمّا إذا كان مطابقا ، فمعنى ذلك وجود حكم واقعي بحرمة الخمر ، وحكم آخر ظاهري - نتج عن إعطاء الحجية لخبر الواحد - بالحرمة أيضا ، ومعناه اجتماع حرمتين على موضوع واحد ، وهو من نوع ما يسمى في المنطق باجتماع المثلين ، وهو محال عقلا . وخلاصة هذه الإشكالية التي تسمّى بشبهة التضاد ، أن الظن من خبر الواحد مثلا إن طابق الواقع لزم اجتماع المثلين وإلا فالضدين . الإشكالية الثانية : وهي التي تسمّى أحيانا بشبهة نقض الغرض ، ومحصلها أن صلاة الفجر إذا كانت واجبة مثلا ، ثم جاء خبر واحد يفيد عدم وجوبها ، فالقول بحجيته - حال عدم العلم بالواقع - معناه أن المولى نقض غرضه ، فغرضه تحصيل العبد للمصلحة الموجودة في صلاة الفجر ، ومع ذلك سمح له بالعمل بالآحاد التي ترى عدم وجوب هذه الصلاة أو لعلّها ترى أحيانا حرمتها ، فيكون قد فوّت - بتجويزه العمل بالآحاد - على العبد مصلحة ملزمة ، والعكس صحيح ، فلو فرضنا أن اللّه حرّم شرب النبيذ ، ثم أجاز الاعتماد على أخبار الآحاد ، ودلّت الآحاد على جواز شرب النبيذ ؛ ألا يكون تجويز الاعتماد عليها تغريرا بالعبد وإيقاعا له في المفسدة ؟ ! ومن الواضح أن الإشكالية الأولى تتحدّث عن تضادّ واقعي ، ينتمي إدراكه إلى العقل النظري ، أما الثانية فتتحدّث عن قبح في الفعل ، أي يقبح على اللّه تعالى نقض عرضه بمقتضى حكمته ، وهذا ما ينتمي - لا أقل في المرحلة الأولى - إلى العقل العملي « 1 » .
--> ( 1 ) - راجع شبهات ابن قبة وغيرها من إشكاليات هذا الباب : الأصفهاني ، الفصول الغروية : 271 ؛ والقمي ، القوانين المحكمة 2 : 416 - 417 ؛ وداماد ، المحاضرات 2 : 87 ؛ والخوئي ، دراسات في علم الأصول 3 : 106 - 107 ، ومصباح الأصول 2 : 91 - 92 ؛ والهداية في الأصول 3 : 97 ؛ والنائيني ، فوائد الأصول 3 : -